حوكمة الإعلام الرياضي: مدخل أساسي لدبلوماسية رياضية قيمية
مع تصاعد النقاشات داخل الأوساط الأكاديمية ظهرت تساؤلات جوهرية حول دور الإعلام الرياضي في تشكيل الرأي العام أثناء البطولات الكبرى، وقدرته على تعزيز صورة الدول ودبلوماسيتها الرياضية.
هذه التساؤلات تعكس قلقًا مشروعًا تجاه ظاهرة واضحة: الإعلام الرياضي لم يعد ناقلًا للنتائج أو مفسرًا للأحداث فحسب، بل أصبح فاعلًا مؤثرًا في سلوك الجماهير، وفي الانطباع الذي يتركه الحدث على الصعيد الدولي.
الإشكال الرئيسي يكمن في غياب حوكمة واضحة للإعلام الرياضي على المستويات القارية والوطنية. فغياب اللجان الإعلامية على مستوى الاتحادات الوطنية والقارية، وغياب ميثاق شرف إعلامي رياضي يُلزم الصحفيين بالإطار القيمي، جعل الفضاء الإعلامي عرضة للتفسيرات الفردية والشائعات والتأويلات المضللة. هذا الفراغ المؤسسي فتح الباب أمام تدخلات غير متخصصة، واستغلال منصات التواصل الاجتماعي، وسوء استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى سريع دون تحقق أو ضبط.
وبالموازاة، أدى ضعف التكوين المتخصص للإعلاميين الرياضيين إلى تغليب الجانب التجاري والإثارة على القيم الجوهرية للرياضة، مثل العدالة، تكافؤ الفرص، الاحترام، والروح الرياضية، ما انعكس سلبيًا على سلوك الجماهير وأضعف رسالة الحدث كجسر للتواصل والتفاهم بين الشعوب.
من هنا، يصبح إصلاح الإعلام الرياضي شرطًا أساسيًا لدبلوماسية رياضية قيمية.
فالدبلوماسية الرياضية لا تقوم فقط على جودة المنشآت أو التنظيم، بل على قدرتها على بث قيم العدالة والاحترام وتكافؤ الفرص، وإشراك الجماهير بروح احتفالية تحترم التاريخ والرموز الوطنية للمنافسين، وتوجههم نحو تشجيع اللعبة بدل الانحياز والانفعال المفرط.
ويتمثل الإصلاح في مجموعة إجراءات ملموسة وقابلة للتطبيق:
إقرار ميثاق أخلاقي إعلامي رياضي ملزم يحدد مسؤوليات الإعلاميين وحدود الخطاب بين التحليل المهني والتحريض، ويرسخ ثقافة احترام المنافسين والقيم الأولمبية.
تفعيل لجان إعلامية مستقلة داخل الاتحادات، لتكون مصدر المعلومة الرسمي، تصدر نشرات دورية، وتُعقد ندوات صحفية منتظمة لتوضيح القرارات وحماية الحدث من التأويلات المغلوطة.
تكوين متخصص للإعلاميين الرياضيين، يشمل أخلاقيات المهنة، إدارة الخطاب الجماهيري، الدبلوماسية الرياضية، والتعامل المسؤول مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
إعادة التوازن بين البعد التجاري والبعد القيمي، لضمان أن النجاح الاقتصادي لا يأتي على حساب نزاهة اللعبة أو رسالة الحدث.
وضع آليات للمراقبة والتقييم المستمر للخطاب الإعلامي، بما يضمن حماية الصورة العامة للرياضة والحدث
إنشاء قنوات تلفزيونية رسمية تابعة للاتحادات الرياضية الوطنية والقارية، تكون مسؤولة عن نقل جميع المباريات والفعاليات مباشرة، مع الالتزام الصارم بالقيم الأخلاقية والرسالة التعليمية للرياضة. هذا يضمن حماية الحدث من الانحراف الإعلامي أو التلاعب بالرسائل، ويوفر مساحة لتوعية الجمهور، نشر الثقافة الأولمبية، وتعزيز مفهوم الدبلوماسية الرياضية من خلال محتوى متكامل يركز على العدالة، تكافؤ الفرص، الاحترام المتبادل، وتشجيع الفرق الفائزة بروح رياضية.
إن حوكمة الإعلام الرياضي ليست تقييدًا للحرية، بل حماية للرياضة وضمان لاستدامة رسالتها القيمية، ومدخل أساسي لدبلوماسية رياضية قادرة على تقريب الشعوب، وتعزيز صورة الدول، ونشر ثقافة الاحترام والتعاون. حين يستقيم الخطاب الإعلامي، تستعيد الرياضة معناها، وحين تحضر القيم، يصبح الحدث الرياضي أداة حقيقية للسلام، الأخوة، والتفاهم بين الشعوب.
بقلم الاستاذ الدكتور احمد بوسكرة
استاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة مسيلة الجزائر
