لم تظهر دولة في التاريخ إلا ووظفت قوتها الناعمة بجميع وسائلها المتاحة لديها، حتى في عصر الرسالة؛ الذي ترك لنا نموذجاً رائعاً لكل العصور في كيفية التعاطي مع هذه القوة، التي تلتحم مع الجماهير، وتعرف حجم قدراتها ومزاجها النفسي.
فبين رأيين متباعدين في رؤية كرة القدم مجرد قطعة من الجلد تلهي الجماهير، ورأي آخر يرى فيها أنها نهاية العالم؛ تكمن حكمة الدولة في توظيف الجموع الهاتفة والجماهير الهادرة، كقوة كامنة ومعبرة عن آلام وأحلام الشعوب وقدرتها على تحقيق الفوز والنجاح.
عصر الرسالة والقوة الناعمة
ظهرت الحكمة في عصر الرسالة من قبل الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، في توظيف المهارات والتعاطي معها دون إهمالها أو التعالي عليها، فنجده يقدّر مهارات وقوة ركانة مصارع قريش الأول ويعرض عليه الإسلام مقابل أن يصرعه، وقد نجح في ذلك.
وعندما اتسعت حركة دولة المدينة بعد هجرته، كان يقدر أصحاب المهارات القتالية والرياضية، التي وظفها باقتدار، وعلم أصحاب هذه القدرات أنهم مقربون من شخص النبي صلى الله عليه وسلم المقدّر لمهارتهم.
فالصحابي سلمة بن الأكوع العدّاء الأول في دولة المدينة، أبطل هجوماً جماعياً على المدينة بمفرده وأعجز الفرسان، لأنه كان يسبق الخيل عَدْواً.
وفي نهاية غزوة «ذي قَرَد» -الغابة- أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وساما كأفضل عدّاء بين الصحابة؛ «خير رجالتنا سلمة».
في المقابل، نجد أن قريشاً كانت أيضاً توظف قوتها الناعمة لمواجهة النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء على مهد دعوته، عندما وصلت في مفاوضتها مع أبي طالب بأن تدفع له بديلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش -الأول في المحافل وبطلها لكمال الأجسام- حتى يتبناه أبو طالب ويدفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه.
ولقوته وشهرته في نوادي قريش، تمّ اختيار عمارة بن الوليد أيضاً، ليكون في سفارة مع عمرو بن العاص إلى أرض الحبشة، وكانت نهايته هناك مروعة حينما احتال له عمرو بسبب أن تجرأ عليه وتحرشه بزوجته.
عام الوفود وقوة دولة المدينة الناعمة
تجلّت عبقرية النبوة وظهرت فتية قوية مفعمة بالحيوية الدبلوماسية، حينما جاءت وفود قبائل الجزيرة العربية في نهاية حياته صلى الله عليه وسلم لتعلن إسلامها بين يديه.
لم تكن هذه الوفود حركة عابرة، بل هي التقاء للمحافل الدولية التي ظهرت فيها قوة واستحضار القوة الناعمة بكافة أشكالها في استقبال الوفود؛ التي سترجع وتحكي عن دبلوماسية المدينة ووهج الحضور فيها.
وظّف صلى الله عليه وسلم جميع المهارات في ذلك فنجده يستحضر الصحابي جرير بن عبدالله -صاحب الكاريزما والحضور الطاغي لجماله، فهو الملقب بيوسف هذه الأمة وصاحب وسام الأناقة- ليكون معه في استقبال الوفود.
لكن الأمر الذي يحتاج إلى دراسة واسعة هو قدرته صلى الله عليه وسلم الهائلة في معرفة السمات المزاجية والنفسية لكل الوفود؛ التي طرقت باب المدينة لأول مرة، وكيف كان على اطلاع واسع بأحوال هذه البلاد وما يحبونه ويكرهونه، وما يطلبونه ويحتاجونه مستقبلاً.
1- تراه مستعداً لكل شيء في اللباس والطعام والشراب وإعداد الاستقبال، فعندما جاءه وفد كندة -من اليمن- كان يرتدي هو وأبو بكر، وعمر، حللاً يمانية.
2- كان يستقبلهم بالجوائز المعنوية باقية الأثر قبل كل شيء، فقال عن أسلم وغفار: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها».
3- قال عن أهل اليمن: «هم أرقّ أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية»، ووصفهم بـ«السحاب وخيار من في الأرض».
4- إعطاء الهدايا الجزيلة لمن كان يسيء إليه، وهو أمر لا يقوى عليه إلا أصحاب النفوس العالية، فقد أهدر دم أحد من كان يهجوه، فلما جاءه مسلماً أمّنه صلى الله عليه وسلم، ووضع يده في يده، فكانت يده تضيء في الظلام من بركته.
5- كما كان صلى الله عليه وسلم يمنح العطايا للوفود ويكتب لهم الكتب بذلك -بنود الاتفاقية- ويشهد على ذلك المشاهير من عظماء الصحابة كعمر بن الخطاب، وأبيّ بن كعب، وأبي عبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان.. وغيرهم كنوع من العناية والتوثيق الدبلوماسي.
6- كان صلى الله عليه وسلم يصبر على أصحاب الوفود في كثرة أسئلتهم وإن كانت نمطية ثقيلة، بل يدعو لهم بالبركة فهم لم يعيشوا معه في المدينة ويتعلموا من آدابه مثل أصحابه، وكان يسهّل عليهم في الرد وفي قضاء حوائجهم وما يقرّه من أحكام، مثل الذين سألوه عن الضيافة وعن الضالة.
7- مع كثرة سؤالهم كان لا يغيب عليه حسن ضيافتهم، فيضع أحمال التمر بين أيديهم ويمنحهم مثلها في عودتهم، ويمنح غيرهم الفضة، كل ذلك كان يفعله صلى الله عليه وسلم لكسب قلوب الناس وتأليفهم.
8- ازدادت قوة دولة المدينة الناعمة حضوراً في إكرام واستقبال الوافدين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل عن أحوال الوفد ولا يترك كبيراً ولا صغيراً حتى كان يعتني بالغلمان في الوفد عناية خاصة، كما فعل مع أحد غلمان بني تجيب، حينما وفدوا عليه ولم يغب عن ذهنه، بل سأل عليه حينما وافوه وهو في حجة الوداع سنة عشر.
تقدير اهتمامات الجماهير
فهذا طرف من هديه صلى الله عليه وسلم في توظيف ما كان يمتلكه من قوة، وكيف كان على دراية بأحوال الناس وما هم عليه من صفات، حتى لا نقع في إهمال مثل هذه الأمور في المحافل العامة وما تتداوله الشعوب من اهتمامات وتتباين فيه من رغبات.
أغرب ما وقع في كأس العالم في نسخة 2026 دخول الفريق الإيراني إلى الأراضي الأمريكية فخارج الملاعب يتبادلون الصواريخ والقذائف، ولكن الأعراف الدولية أوسع دائرة من القرارات السياسية والعسكرية.
ولعل من أغرب الوقائع التي رواها الرحالة القدامى في تقدير الأعراف والقوة الناعمة في المحافل والأسواق الدولية؛ ما رواه الرحالة ابن جبير أيام الحملات الصليبية، حينما خرج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لحصار حصن الكَرَك، كانت القوافل التجارية تتم من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج دون انقطاع، ودخول المسلمين من دمشق إلى عكا كذلك، وتجار النصارى أيضاً لا يمنع أحد منهم ولا يعترض.
ويقول: وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، وهم في غاية الأمان، وتجار النصارى أيضاً يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال، وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، والدنيا لمن غلب، ولا تعترض الرعايا ولا التجار، فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلماً أو حرباً.
إن الاستخفاف بالقوة الناعمة إهمال لمطالب الجماهير التي تكشف عن الحراك الشعبي الهادر الذي يجب توظيفه وليس إهماله أو الاستهجان منه.
ولعل من أغرب الوقائع في عصرنا الحديث حينما أنزلت إيطاليا مارادونا الأرجنتيني المحترف في نابولي منزلة القديس، وباعت صوره في بازاراتها، ولكنها أخطأت خطأ قاتلاً حينما التقت الأرجنتين في نهائيات كأس العالم في نابولي، إذ وجدت الجماهير مندفعة بتلقائية، لتختار تشجيع قديسها الأرجنتيني على منتخبها القومي.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
