من التكوين القاعدي إلى صناعة التتويج الرياضي على من تقع المسؤولية ؟
المتتبع لمسار السياسة الجزائرية في كرة القدم، خاصة خلال مرحلة الإصلاح الرياضي الممتدة من سنة 1976 إلى نهاية الثمانينات، يلاحظ بوضوح أن الإنجاز لم يكن وليد الصدفة ولا نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة رؤية وطنية جعلت من الرياضة، وكرة القدم تحديدًا، جزءًا من مشروع دولة. فقد شكّل قرار تحويل الأندية من هياكل تابعة للبلديات إلى مؤسسات اقتصادية كبرى منعطفًا حاسمًا في تاريخ الكرة الجزائرية، حيث أصبحت الأندية تحمل أسماء مؤسسات وطنية مثل: وفاق بلاستيك سطيف، جمعية إلكترونيك تيزي وزو، اتحاد الخشب والفيل القل، مولودية نفط العاصمة، ومناجم الحديد والصلب عنابة.
هذه السياسة لم تكن مجرد تغيير في التسميات أو التمويل، بل رافقها توجه واضح نحو التكوين القاعدي باعتباره القاعدة الصلبة لأي إنجاز رياضي مستدام.
وخلال السنوات الخمس الأولى، بدأت ثمار هذا الخيار الاستراتيجي في الظهور، سواء على مستوى البطولة الوطنية أو المنتخبات، حيث ساهمت مدارس التكوين في اكتشاف وصقل جيل كامل من اللاعبين، قاد الجزائر إلى التأهل مرتين متتاليتين إلى كأس العالم، والتتويج بكأس إفريقيا سنة 1990 بلاعبين جلّهم من البطولة المحلية.
غير أن هذا المسار عرف انكسارًا تدريجيًا في العقود اللاحقة، مع نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة، بسبب تأثيرات العشرية السوداء والسياق الاقتصادي والتحول من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق، ما أدى إلى انسحاب المؤسسات الاقتصادية العمومية من دعم الأندية.
هذا التحول دفع الأندية إلى الانتقال التدريجي من نموذج هاوي إلى شبه محترف، ثم إلى محترف، دون أن يرافق ذلك بناء نموذج اقتصادي ورياضي مستدام، ما أضعف التكوين القاعدي وعلاقته بالفريق الأول، وتراجع حضور اللاعبين المحليين في المنتخب الوطني لصالح المدارس الأجنبية.
في كرة القدم الحديثة، أصبح التكوين القاعدي أحد أعمدة الاحتراف والحوكمة الرياضية، إذ يضمن الاستقرار الفني والتوازن المالي، كما تؤكد تقارير الفيفا
. غير أن الواقع الجزائري لا يزال يعاني ضعف الاستثمار في البنية التحتية، التأطير، والمتابعة الشاملة للفئات الشبانية، في مقابل تركيز الموارد على الفريق الأول.
إن استعادة مكانة الأندية الجزائرية قارياً ودولياً تتطلب مشروعًا وطنيًا متكاملًا يجعل التكوين القاعدي ركيزة للإنجاز الرياضي. ويقتضي ذلك: .
.حوكمة رشيدة وميزانيات واضحة للتكوين، مدارس تكوين احترافية،
.دمج الرياضة المدرسية والجامعية،
توظيف التكنولوجيا لمتابعة اللاعبين،
إعادة هيكلة الموارد البشرية،
خلق سوق انتقالات محلية منظمة،
.استثمار خبرة الكفاءات الوطنية والدولية في التدريب وإدارة الأندية
.
بهذا التصور، يتحول التكوين القاعدي من عبء إداري إلى رافعة استراتيجية، تضمن استمرارية الإنجاز الرياضي، وتعيد للأندية الجزائرية مكانتها الطبيعية في إفريقيا والعالم.
من التكوين القاعدي إلى صناعة التتويج الرياضي، المسؤولية جماعية وتكاملية؛ تبدأ من الاتحادات عبر التخطيط الاستراتيجي ووضع المناهج، وتُترجم ميدانيًا داخل الأندية من خلال الاستثمار في القاعدة، الحوكمة الرشيدة، والتأطير الكفء، مع دور داعم للدولة في الإطار القانوني والرقابي. غياب أي حلقة من هذه المنظومة ينعكس مباشرة على مسار الإنجاز واستدامته.
بقلم الدكتور احمد بوسكرة
استاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة مسيلة الجزائر
